أبو حامد الغزالي
38
محك النظر
- التفصيل الرابع : بيان عكس القضيّة . يتبيّن اختلاف التركيب الشكلي والتبويب جزئيا عن المعيار والمقاصد . لكنّ الأبحاث المنطقيّة التي تناولت القضيّة في المحكّ بمضمونها وموضوعاتها لم تبتعد تماما عن أبحاث القضيّة في الكتابين السابقين . ويتباين المضمون هنا في جانب التركيب البنيويّ للمصطلحات والتعابير والغرض والتوجّه . فإذا كان الكتابان السابقان قد تأثرا بابن سينا تأثرا واضحا ، فإن المحكّ يميل نحو المعاني الإسلامية والفقهيّة ميلا محضا . وتنقلب تعابيره وأمثلته مشكّلة أغراضا جديدة كما سنرى ، من دون الخروج على أطر المنطق الأساسية . وأشار الغزالي في نهاية المحكّ إلى العودة للمعيار ولمن يرغب في التفصيل والشرح . قائلا : « هذا الكتاب مع صغر حجمه حرّكت به أصولا عظيمة ، إن أمعنت في تفهّم الكتاب تشوقت إلى مزيد إيضاح في بعض ما أجملته واشتغلت لحكم الحال عن تفصيله ، وذلك التفصيل قد أودعت بعضه كتاب معيار العلم . . . » « 1 » وتدل هذه الإشارة على وحدة المسألة المنطقيّة في خلفيّة الإمام من دون أن يعني ذلك عدم وجود التباين بين المحكّ والمعيار . ويعمل الغزالي بالرغم من هذا التباين على ربط المحكّ بالمعيار ، استمرارا في تطعيم المنطق بالتفكير الإسلاميّ ، وخصوصا في المحكّ ومقدّمة المستصفى . وقد جعل مبحث القضيّة في المحكّ قالبا إسلاميا من دون أن يتخلّى عن مضامينها المنطقيّة . إذ يبدأ الفصل على نمط ما جاء في الكتب سابقا ، فيستعمل عدّة مصطلحات للتعبير عن عناصر القضيّة ، قائلا : « أحكام السوابق المعاني المؤلّفة تأليفا يتطرّق إليه التصديق والتكذيب ، كقولنا مثلا : العالم حادث والباري تعالى قديم . فإنّ هذا يرجع إلى تأليف القوّة المفكّرة بين معرفتين ، لذاتين مفردتين ونسبة أحدهما إلى الآخر بالإثبات .
--> ( 1 ) الغزالي ، المحكّ ، ص 133 .